في رسالة عام 2026، أشار بيل جيتس إلى أن الذكاء الاصطناعي سيعجل من الابتكار في مجالات الرعاية الصحية والتعليم، لكن سوء الاستخدام والتأثير على التوظيف يشكلان تحديات رئيسية، ويجب أن تترافق مع سياسات لمواجهة المخاطر.
أصدر مؤسس مايكروسوفت بيل جيتس مؤخرًا رسالة عام 2026، يشارك فيها وجهات نظره حول الذكاء الاصطناعي، والرعاية الصحية، والمناخ، والأعمال الخيرية، ويبقى متفائلًا بالمستقبل كما هو دائمًا، لكنه يعترف بأن التحديات العالمية الحالية أكثر تعقيدًا، ويعتقد أن عام 2026 سيشهد تغييرات جذرية بفضل الذكاء الاصطناعي.
كتب جيتس في رسالته أنه رغم رؤيته للفوائد التي يجلبها الذكاء الاصطناعي للابتكار، لا زال متفائلًا بالمستقبل، لكن مع ملاحظة، وطرح ثلاث أسئلة رئيسية، من بينها ما إذا كان بالإمكان تقليل الأثر السلبي لتسريع تطور الذكاء الاصطناعي على المجتمع إلى أدنى حد.
يعتقد جيتس أن عام 2026 هو العام الحاسم لتكيف البشرية مع ثورة الذكاء الاصطناعي، وهو واثق من قدرات التقنية، ويؤمن بأنها ستساعد على تقليل عدم المساواة، وتوفير خدمات صحية عالية الجودة بسهولة، وتحقيق فوائد للمرضى والمهنيين، بل ويمكن أن تساعد أيضًا في مواجهة تغير المناخ، وتقديم نصائح للمزارعين حول الطقس والآفات.
لكنّه أشار أيضًا إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يواجه تحديين رئيسيين خلال العشر سنوات القادمة: سوء الاستخدام من قبل أصحاب النوايا السيئة، وتأثيره على سوق العمل. لقد بدأ بالفعل في التأثير على وظائف تطوير البرمجيات، والتخزين، وخدمة العملاء، ومع تزايد قدرات الذكاء الاصطناعي، قد تتزايد هذه التأثيرات.
وحث الحكومات على اتخاذ إجراءات، ووضع سياسات للحد من الآثار السلبية، وتقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتخفيف الأضرار المحتملة من الذكاء الاصطناعي.
شارك جيتس أن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل يشبه إلى حد كبير تطور الحواسيب الشخصية بعد انتشارها، حيث زاد من الكفاءة وخلق طلبًا هائلًا، لكنه أيضًا جعل العديد من الوظائف مهددة، ومع ذلك، يظل متفائلًا طالما تم التعرف على المشكلات مبكرًا والاستعداد لها.
أنا دائمًا متفائل. عندما أسست مايكروسوفت، كنت أؤمن أن الثورة الرقمية التي يقودها البرمجيات الممتازة ستجعل العالم مكانًا أفضل؛ وعندما أنشأت مؤسسة جيتس، رأيت فرصة لإنقاذ وتحسين حياة ملايين الناس، خاصة في مجالات مثل صحة الأطفال التي كانت تفتقر إلى الموارد بشكل كبير آنذاك.
وفي هاتين التجربتين، فاق الأمر توقعاتي. مقارنةً بوقت ولادتي قبل 70 عامًا، العالم الآن أفضل بكثير. أؤمن أن العالم سيستمر في التقدم — لكن اليوم، أصبح من أصعب الأمور أن نرى هذا التقدم بشكل واضح بعد فترة طويلة من الزمن.
يسألني الأصدقاء والزملاء غالبًا كيف أظل متفائلًا في زمن مليء بالتحديات والانقسامات الشديدة؟ إجابتي: لا زلت متفائلًا، لأنني أرى كيف سيقود الذكاء الاصطناعي (AI) الابتكار، لكن مع ملاحظة.
الأمر الأكثر ألمًا لي هو أن العالم تراجع في مؤشر مهم لقياس التقدم: وهو معدل وفيات الأطفال دون سن الخامسة. خلال الـ 25 سنة الماضية، كانت معدلات وفيات الأطفال تنخفض بسرعة قياسية، لكن في عام 2025، ارتفع هذا الرقم لأول مرة في القرن، من 4.6 مليون في 2024 إلى 4.8 مليون في 2025، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى انخفاض الدعم من الدول الغنية للدول الفقيرة. إلا إذا استعدنا ميزانيات المساعدات، فستستمر هذه الاتجاهات.
السنوات الخمس القادمة ستكون صعبة، إذ نعمل على العودة إلى المسار الصحيح، وتوسيع استخدام أدوات إنقاذ الحياة الجديدة. ومع ذلك، لا زلت متفائلًا بالمستقبل الطويل. لا أعتقد أننا سنعود إلى عصور الظلام، بغض النظر عن مدى صعوبة العام الماضي. أؤمن أنه خلال العقد القادم، سنعيد العالم إلى مساره الصحيح، وسنبدأ عهدًا جديدًا من التقدم غير المسبوق.
الابتكار هو المفتاح دائمًا. فكر في الأمر: تشخيص فيروس الإيدز كان يُعد حكمًا بالإعدام. اليوم، بفضل العلاجات الثورية، يعيش المصابون تقريبًا حياة طبيعية. بحلول عقد الأربعينيات، قد تساهم التقنيات الجديدة في القضاء على وفيات الإيدز بشكل فعلي.
رغم أن تقليص الميزانيات حد من عدد المستفيدين من هذه الأدوات (كما رأينا العام الماضي)، إلا أن الحقيقة لا يمكن إنكارها: قبل عقود، كنا عاجزين عن علاج الإيدز، والآن نحن قادرون على ذلك. فبمجرد حدوث تقدم ثوري، لا يمكن التراجع عنه. فهي تضمن أننا لن نعود إلى عالم يموت فيه أكثر من 10 ملايين طفل سنويًا بسبب أمراض يمكن الوقاية منها — وهو السبب الرئيسي وراء تفاؤلي بمستقبل العالم.
لكن كما ذكرت، تفاؤلي مصحوب بملاحظات. فبينما يضع الابتكار أساسًا للنجاح على المدى الطويل، فإن مسار التقدم يعتمد على كيفية تعامل العالم مع ثلاثة أسئلة رئيسية:
في ظل التفاوت الاقتصادي القياسي اليوم، فإن مبدأ “ما أتمناه لنفسي، أُعطيه للآخرين” أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. هذا ينطبق ليس فقط على المساعدات الحكومية للدول الغنية، بل أيضًا على تبرعات الأثرياء للأعمال الخيرية محليًا وعالميًا. في عالم يضم مليارديرات قياسيين، وحتى “مليارديرات المئة مليار” (centibillionaires)، يجب أن تتوسع الأعمال الخيرية بسرعة.
من خلال “قسم العطاء” (Giving Pledge، وهو مبادرة أطلقها جيتس ووارن بافيت وغيرهم من الأثرياء)، أتيحت لي فرصة العمل مع العديد من الخيريين المميزين، الذين وضعوا نماذج يُحتذى بها في التبرع بمعظم ثرواتهم بذكاء. ومع ذلك، نحتاج إلى بذل المزيد من الجهد لتشجيع الأثرياء على أن يكونوا أكثر سخاءً، ورؤية مدى الإنجاز والتأثير الذي يمكن أن يحققوه.
أما بالنسبة لميزانية المساعدات للدول الفقيرة، فهناك رقم يقلقني: إذا انخفض التمويل الصحي بنسبة 20%، فبحلول 2045، قد يموت 12 مليون طفل إضافي. أعلم أن تقليص الميزانيات لا يمكن استعادته بين ليلة وضحاها، ومع ذلك، فإن حتى أكثر الدول سخاءً لا تخصص أكثر من 1% من ناتجها المحلي الإجمالي للمساعدات. لكن استعادة جزء من التمويل ضروري جدًا. وتفصيلات المخاطر في تقرير “حراس الأهداف” (Goalkeepers report) توضح كيف يمكن للعالم أن يستفيد بشكل أفضل من هذه المساعدات.
سأكرس هذا العام جهدًا كبيرًا مع شركائي للدعوة لزيادة التمويل العالمي لصحة الأطفال. أخطط للتواصل مع العاملين في المجال الصحي، والجماعات الدينية، والمجتمعات المهاجرة، لدعم هذه المهمة.
بعض القضايا لا يمكن أن تعمل فقط عبر آليات السوق، ويجب أن نضع جهودًا أكبر.
المجال الأول هو تغير المناخ.
بدون فرض ضرائب كربون عالمية (وهو أمر يصعب تحقيقه سياسيًا)، لا يمكن لقوى السوق أن توفر حوافز كافية لتطوير تقنيات خفض الانبعاثات. لكن، فقط من خلال استبدال جميع أنشطة الانبعاثات الكربونية ببدائل أرخص، يمكننا منع ارتفاع درجات الحرارة. لهذا أسست قبل عشر سنوات “اختراق الطاقة” (Breakthrough Energy)، وسأواصل استثمار مليارات الدولارات في الابتكار.
على مدى العقد الماضي، حقق العالم تقدمًا ملحوظًا، حيث انخفضت الانبعاثات بأكثر من 40%. لكننا لا زلنا بحاجة إلى مزيد من الابتكار والتوسع في قطاعات مثل الصناعة والطيران. لا تزال سياسات الحكومات في الدول الغنية حاسمة، لأنه بدون توسيع نطاق الابتكار، لن تنخفض التكاليف، ولن نصل إلى التأثير المطلوب.
إذا لم نوقف تغير المناخ، فسيجلب معاناة هائلة للعالم، خاصة للفقراء، تمامًا كما تفعل الأمراض المعدية والفقر. حتى في أفضل السيناريوهات، سيستمر ارتفاع درجات الحرارة، لذا نحتاج أيضًا إلى ابتكارات لتقليل الأضرار. يُطلق على ذلك “التكيف مع المناخ” — ومثال رئيسي هو استخدام الذكاء الاصطناعي لتزويد المزارعين الفقراء ببذور ونصائح أفضل، لمساعدتهم على الحفاظ على الإنتاج في ظل التغيرات المناخية. قريبًا، يمكننا أن نوفر للمزارعين الفقراء نصائح حول الطقس، والأسعار، والآفات، والتربة، بشكل يتفوق على المعلومات التي يحصل عليها المزارعون الأغنياء اليوم. وقد تعهدت المؤسسة باستثمار 1.4 مليار دولار لدعم المزارعين في مواجهة الأحوال الجوية المتطرفة.
في السنوات القادمة، سأزيد من استثماراتي وتبرعاتي في العمل المناخي، مع استمرار التركيز على صحة الأطفال، وهو أولويتي القصوى.
المجال الثاني هو الرعاية الصحية.
القلق من تكاليف وجودة الرعاية الصحية في أوجه، ومن المفترض أن يبعث على التفاؤل مع موجة الابتكار الحالية. على سبيل المثال، أحدث تقدم في تشخيص مرض الزهايمر سيحدث ثورة في طرق الكشف والوقاية (وهو مجال يهمني جدًا). وهناك تقدم مماثل في مجالات السمنة، والسرطان، والملاريا، والسل، وسوء التغذية في الدول النامية.
رغم أن التقدم سريع، إلا أن أنظمة الرعاية الصحية المعقدة والمكلفة تجعل الكثيرين غير راضين عن الرعاية الحالية. أؤمن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسرع الابتكار، ويحسن العمليات الطبية مباشرة. أنا شخصيًا أستخدم الذكاء الاصطناعي لمساعدتي على فهم حالتي الصحية. تخيل أن الذكاء الاصطناعي، عندما يصبح أكثر نضجًا ومتوافرًا لكل مريض ومقدم رعاية، سيقدم نصائح عالية الجودة وسهلة الوصول، مما سيرتقي بمستوى الطب بشكل كبير.
نحن لم نصل بعد إلى تلك المرحلة (لا زال المطورون بحاجة لحل مشكلات الاعتمادية وربط الذكاء الاصطناعي بالمحترفين الصحيين)، لكنني متفائل أن التطبيق على نطاق عالمي سيكون قريبًا جدًا. أتابع هذا العمل عن كثب، لضمان أن مؤسسة جيتس وشركائها يمكنهم تمكين الدول ذات الموارد المحدودة، التي تفتقر إلى الأطباء، من الوصول إلى هذه القدرات جنبًا إلى جنب مع الدول المتقدمة.
الثالث هو التعليم.
يمنحنا الذكاء الاصطناعي فرصة لتحقيق حلم “التعلم الشخصي”. وهو محور تركيزنا في الإنفاق على التعليم، وقد رأيت كيف يمكن أن يُمكّن المعلمين والطلاب في نيوجيرسي، وعندما يُنشر على مستوى العالم، سيغير قواعد اللعبة بشكل جذري.
من بين جميع الابتكارات التي صنعها البشر، سيكون للذكاء الاصطناعي أكبر تأثير على المجتمع. يمكن أن يحل العديد من المشاكل الحالية، لكنه أيضًا يخلق تحديات جديدة تمامًا.
عندما يتوقع قطاع الذكاء الاصطناعي وصول “الذكاء الاصطناعي العام” (AGI) أو الروبوتات البشرية متعددة الوظائف، ويخيب الآمال، قد يظن الناس أن ذلك لن يحدث أبدًا. ومع ذلك، فإن ذكاء الذكاء الاصطناعي وقدرات الروبوتات لا حدود لها، وأؤمن أنه قبل أن يتوقف التطور، ستتجاوز قدراته مستوى البشر.
التحديان الأكبران في العشر سنوات القادمة هما: استغلال الأشرار للذكاء الاصطناعي، وتأثيره على سوق العمل. كلاهما مخاطر حقيقية، ويجب أن نطور وننظم وننشر هذه التقنية بشكل أكثر تخطيطًا.
حذرت في 2015 أن العالم غير مستعد لمواجهة الأوبئة. لو كنا مستعدين حينها، لكان الألم الناتج عن جائحة كوفيد أقل بكثير. اليوم، الخطر الأكبر من الأوبئة هو أن منظمات غير حكومية قد تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي المفتوحة المصدر لصنع أسلحة بيولوجية إرهابية.
أما التحدي الثاني فهو تحول سوق العمل. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يمكن البشر من إنتاج المزيد من السلع والخدمات بأقل جهد. من الناحية الرياضية، يمكننا توزيع هذه القدرات الجديدة بحيث يستفيد الجميع. يمكننا تقليل ساعات العمل، أو حتى تحديد مجالات لا يُسمح فيها باستخدام الذكاء الاصطناعي.
هذا التحول يصعب محاكاته. أحيانًا، يؤدي التقدم التكنولوجي إلى زيادة الطلب بسبب انخفاض التكاليف، مما يجعل العالم أكثر ثراءً، ويحفز الطلب في مجالات أخرى. على سبيل المثال، زاد الذكاء الاصطناعي من كفاءة مهندسي البرمجيات بمعدل لا يقل عن الضعف، مما جعل البرمجة أرخص، وخلق طلبًا هائلًا، كما حدث بعد انتشار الحواسيب.
ومع ذلك، فإن سرعة التقدم قد تؤثر على الطلب على العاملين في مجالات مثل تطوير البرمجيات، والتخزين، وخدمة العملاء. على الرغم من أن التغييرات لم تكتمل بعد، إلا أن مع زيادة قوة الذكاء الاصطناعي، ستصبح التأثيرات أكثر وضوحًا. وحتى لو استغرق التحول وقتًا أطول من المتوقع، فإننا بحاجة للاستعداد بحلول 2026 — بما في ذلك وضع سياسات لتوزيع الثروة، ومعالجة دور العمل في المجتمع.
مع كل هذه “الملاحظات”، خاصة النقطة الأخيرة، قد يظن البعض أن تفاؤلي المستمر أكثر إثارة للدهشة. لكن، في بداية عام 2026، لا زلت متفائلًا، لأن هناك صفتين أساسيتين للبشر:
“الرؤية” و"الرحمة" هما هاتان الصفتان اللتان ملأتا قلبي بالأمل في بداية العام. طالما استمررنا في تنميتها، أؤمن أن السنوات القادمة ستكون حقًا سنوات التقدم الحقيقي.