شركة بُرج ووتر (Bridgewater) مؤسسها راي داليو في أحدث مقابلة له، قدم سلسلة من الملاحظات حول سياسات الرسوم الجمركية، وإعادة هيكلة سلاسل التوريد العالمية، وهيكل ديون الولايات المتحدة، ودور الذهب في النظام النقدي. أشار إلى أن العالم يتجه من عصر العولمة الذي يركز على الكفاءة، نحو مرحلة جديدة تركز على الأمان والمرونة، وأن الرسوم الجمركية، والاكتفاء الذاتي، وتخفيض قيمة العملة، والذهب، تربط بشكل مثالي سياق هذا التحول.
تحديد سياسة الرسوم الجمركية، المفتاح في طريقة التنفيذ
أوضح داليو أن لفترة طويلة، كانت الرسوم الجمركية أحد المصادر الرئيسية لدخل الحكومات، إلى جانب ضرائب الدخل وضرائب الأرباح الرأسمالية، وكلها أدوات للضرائب، وترافقها تكاليف اقتصادية وآثار جانبية مختلفة.
المحور الحقيقي ليس في اعتماد الرسوم الجمركية من عدمه، بل في كيفية تصميم السياسة، بما في ذلك طريقة التنفيذ، وحجم التحصيل، وما إذا كانت ستسبب اضطرابات مفرطة في الاقتصاد. وأكد أيضًا أن الرسوم الجمركية يمكن أن توفر إيرادات ملحوظة للحكومة، وتساعد على تقليل الاعتماد على الضرائب أو الاقتراض.
العولمة تتراجع تدريجيًا، والاكتفاء الذاتي يصبح الاتجاه السائد
وأضاف داليو أن العالم الآن يدخل مرحلة “تقارب حالة الحرب”، حيث تبدأ الدول في اتخاذ قرارات اقتصادية تعتمد على الأمن الاستراتيجي بدلاً من الكفاءة فقط. وأشار إلى أن نموذج التقسيم العالمي “من ينتج بأرخص وأكفأ” أصبح أكثر صعوبة في الاستمرار مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
يعتقد داليو أن الحكومات الآن تركز أكثر على ما إذا كانت سلاسل التوريد قد تتعرض للانقطاع، وما إذا كانت هناك مخاطر من العقوبات والحصار، بالإضافة إلى هشاشة الاعتماد المفرط على الواردات للمواد الحيوية. لذلك، أصبحت قضايا مثل الأمن الغذائي، والطاقة، والقدرة التصنيعية، من الأولويات السياسية.
وفي هذا السياق، تدفع الولايات المتحدة نحو إعادة التصنيع، وهو ليس مجرد سياسة صناعية، بل يأتي من اعتبارات الأمن الوطني والمرونة الاقتصادية. وأقر داليو بأنه من منظور الكفاءة العالمية، من المثالي أن يكون الإنتاج من قبل الأكثر تنافسية، لكن الواقع الحالي يجعل من الصعب دعم هذا النموذج.
ديون ضخمة لا يمكن حلها إلا عبر تخفيف العملة
عند مناقشة مشروع قانون “الولايات المتحدة الكبرى” الأخير، قال داليو بصراحة إن هذا القانون لا يحل بشكل جذري مشاكل المالية والديون الأمريكية. وأوضح أن التجربة التاريخية تظهر أنه عندما يتضخم حجم الدين الوطني إلى درجة يصعب تحملها، تظهر عادة ثلاثة ظواهر:
تخفيض قيمة العملة
طباعة الحكومة لكميات هائلة من النقود
خفض معدلات الفائدة بشكل متعمد
وهذا الأسلوب يعادل تحميل الدائنين عبء التضخم، حيث يتم استرداد القيمة الحقيقية للأموال عبر شراء أقل، أي “نقود أرق”. وأشار إلى أن اليابان، على مدى سنوات، حافظت على نظام ديونها من خلال معدلات فائدة منخفضة جدًا وسياسات نقدية توسعية، ومن الممكن أن تتبع الولايات المتحدة مسارًا مشابهًا، حيث يُنقل عبء الديون إلى الأجيال القادمة عبر الدولار المخصم.
خفض الفائدة له ثمن، والتوازن يعتمد على المالية العامة
أما بشأن إمكانية خفض الفائدة بشكل قسري لتقليل نفقات الفائدة الحكومية، فإلى حد ما، يبدي داليو تحفظًا. وأوضح أن:
“ديون شخص ما، هي أصول شخص آخر.”
وإذا تم خفض الفائدة بشكل مفرط، فقد يفقد المستثمرون رغبتهم في امتلاك السندات الحكومية، مما قد يؤدي إلى اضطرابات مالية أكبر.
ويرى أن التدخل في أسعار الفائدة بشكل أحادي هو أقل فاعلية من تعديل الهيكل المالي، مثل:
“خفض الإنفاق بنسبة حوالي 4%، وزيادة الضرائب بنسبة حوالي 4%، لتحسين التوازن المالي تدريجيًا.”
الاعتماد المفرط على خفض الفائدة قد يضر بمصالح حاملي السندات، ويخلق دورة مفرغة جديدة.
عودة دور الذهب، لمواجهة مخاطر العملة
في جانب الاستثمار، أكد داليو على أهمية الذهب، ووصفه في جوهره بأنه نوع من “العملة”. وأوضح أن العديد من البنوك المركزية حول العالم تواصل زيادة احتياطيات الذهب، بهدف تقليل الاعتماد على نظام عملة واحد وتنويع المخاطر. وغالبًا ما يتحرك الذهب عكس اتجاه الأصول الأخرى خلال فترات الاضطراب، ولا ينتمي إلى أي طرف كديون، ولا يحتاج إلى طرف آخر لسداده، مما يحافظ على قيمته. ونصح أن يكون حوالي 10% إلى 15% من محفظة الاستثمار مخصصًا للذهب.
وأشار داليو أيضًا إلى أن حوالي ثمانين بالمئة من العملات العالمية منذ عام 1750 إما اختفت أو فقدت قيمتها بشكل كبير، وهو أحد أسباب ثقة البشرية الطويلة في الذهب. ومع تراجع الدولار هذا العام بنسبة تقارب العشرة بالمئة مقابل العملات الرئيسية، وواجهت اقتصادات أوروبا وأمريكا والصين ديونًا عالية، يعتقد أن التحوط عبر تحويل العملات قد لا يكون كافيًا، وأن الذهب قد يصبح الأصول الأكثر استقرارًا وربما الأفضل كملاذ آمن في ظل ضعف العملات المتزامن.